القاضي عبد الجبار الهمذاني

44

شرح الأصول الخمسة

قصد الإحسان : واعتبرنا أن يكون فاعلها قصد بها الإحسان إليه ، لأنه لو لم يقصد بها منفعته وكان مقصده منفعة نفسه لم يكن منعما . ألا ترى أن البزاز إذا قدم إلى غيره تختا من بز ليختار منه ما شاء ويأخذ منه الثمن فإنه لا يكون منعما عليه لما قصد بذلك نفع نفسه لا نفعه ، وكذلك فمن قطع الثياب الفاخرة لجواريه وغلمانه ليربح عليهم إذا باعهم ، لم يكن بذلك منعما عليهم ، لما كان غرضه بذلك نفع نفسه لا نفعهم ، وكذلك فمن أنفق على أولاده نفقة جميلة لسرور نفسه لم يكن بذلك منعما عليهم لما كان غرضه بذلك نفع نفسه ، وإن كان الغالب من حال الآباء أنهم إذا أنفقوا شيئا على أولادهم كان غرضهم نفع الأولاد ومسرتهم وما يثبت لهم من السرور يكون على وجه المتبع ، فلذلك يحكم بكونهم منعمين عليهم ، وكذلك فمن استأجر أجيرا ووفر عليه الأجرة لم يكن بذلك منعما عليه لما كان غرضه بذلك نفع نفسه ، ولا يلزم على هذا التكليف ، فيقال : كان يجب أن لا يكون اللّه تعالى منعما به علينا ، لأجل أن النفع يستحيل عليه جل وعز فلا يمكن أن يكون غرضه بذلك نفع نفسه ، وإنما غرضه بذلك تعريفنا إلى درجة لا تنال إلا بالتكليف ، فصح أنه لا بدّ من أن يكون قصد فاعلها بها وجه الإحسان إلى الغير . معنى المنفعة : فإن قيل : قد فسرتم النعمة بالمنفعة ، فما معنى المنفعة ؟ قيل له : معناه اللذة والسرور أو ما يؤدي إليهما أو إلى أحدهما . أما اللذة فكأن يحك جرب أحدنا الغير ، أو يضع لقمة شهية في فمه ، أو يخلع عليه خلعة نفيسة ، فيكون قد أوصل إليه اللذة والسرور . وأما ما يؤدي إليهما ، فكأن يدفع إليه دراهم أو دنانير يشتري بها ما يشاء . أو ما يؤدي إلى أحدهما ، فكأن يدله على كنز فيكون قد فعل به ما يؤدي إلى السرور . ولهذه الجملة عددنا دفع الضرر في النفع وإن لم يكن نفعا بنفسه لما كان مؤديا إليه فقلنا : إن من استوهب إنسانا قدم للقتل وخلصه منه كان منعما عليه بذلك نافعا له . ولذلك حكمنا أيضا بكون الحياة نفعا وإن لم تكن نفعا بنفسها لكونها أصلا في المنافع ومؤدية إليها . هذا حد النعمة .